من الذي أقنع بعض رياضيينا وإعلاميينا أن المباراة معركة، وأن المنافس عدو يجب القضاء عليه؟
كل يوم نقرأ عناوين من قبيل، "يفترس"، "يكتسح"، "يسحق"، "يدحر"، "يطيح"، "يقاتل"، "يقلب الطاولة"، "يضرب موعداً"، "يقصي"، "يطحش"، حتى خُيّل إلينا أن ملاعبنا تحوّلت إلى ميادين حرب، وأن الجماهير تنتظر بيانات عسكرية لا نتائج مباريات. هذه ليست لغة رياضة بل لغة صدام وعنف
.
الكلمة ليست بريئة، والكلمة ليست مجرّد عنوان صحافي أو تصريح عابر، الكلمة تصنع ثقافة، والثقافة تصنع سلوكاً. وحين يتربّى الناشئ على أن خصمه يجب أن يُسحق ويُفترس ويُدحر، فلا نستغرب إذا تحولت المدرّجات إلى منصات للتعصب، ومواقع التواصل إلى ساحات للشتائم والكراهية
.
الأدهى من ذلك أن هذه المفردات تصدر أحياناً ممن يفترض أنهم أهل الحكمة والخبرة؛ لاعب، أو مدرب، أو إداري، أو إعلامي يحمل رسالة. هؤلاء لا يدركون أن ملايين الصغار يرددون كلماتهم، ويقلّدون أسلوبهم، ويعتبرونهم قدوة
.
أي رسالة نغرسها في أبنائنا عندما نصف مباراة رياضية بأنها معركة؟ وأي قيمة نزرعها عندما يصبح إحترام المنافس علامة ضعف، بينما تُمنح البطولة لمن يطلق أكثر التصريحات إستفزازًا؟
رياضتنا العربية، والخليجية خصوصاً، عُرفت بالأخلاق قبل البطولات، وبالإحترام قبل الألقاب. فلماذا نستورد قاموساً لا يمت إلى رسالتها بصلة؟
لدينا لغة عربية ثرية تفيض بالمفردات الجميلة: تفوق، نافس، أبدع، تألق، أحرز، فاز، حسم، تجاوز، خطف الفوز، قدّم أداءً مميزاً، إستحق الانتصار. كلمات ترتقي بالخطاب، وتحترم المنافس، وتعكس حقيقة الرياضة بوصفها منافسة شريفة لا معركة وجود
.
المسؤولية هنا لا تقع على الإعلام وحده، بل على الجميع، الإتحادات الرياضية، والأندية، واللاعبين، والمدرّبين، والمعلّقين، وكل من يحمل ميكروفوناً أو يكتب عنواناً أو ينشر تصريحاً. فمن غير المقبول أن نبني ملاعب حديثة، ثم نهدم قيمها بكلمات متشنجة
.
إن الإرتقاء بالرياضة يبدأ من الإرتقاء باللغة، فالكلمة المهذّبة تصنع جمهوراً مهذباً، والخطاب المسؤول يصنع منافسة مسؤولة
.
فلنطرد من ملاعبنا مفردات الحرب، ولنعيد إليها مفردات الإحترام والتنافس الشريف. فالرياضة وُجدت لتقرّب الناس، لا لتزرع بينهم العداء
.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل إعلامي وكل رياضي على نفسه قبل أن يتحدث أو يكتب، هل أنا أبني ثقافة رياضية، أو أؤجّج ثقافة التعصب؟
عبدو جدعون